فخر الدين الرازي

76

المطالب العالية من العلم الإلهي

كان [ الأمر « 1 » ] كذلك ، فقولنا بعد هذا الكلام : إنه حصل ذلك الرجحان لا لمرجح زائد : كلام متناقض لما سبق . لأنا على هذا التقدير ، سلمنا أن المفهوم من قولنا : يرجح ، زائد على المفهوم من كونه قادرا . فقولنا : إنه لا لمرجح زائد : يكون جمعا بين النفي والإثبات ، وأنه محال . فقولنا : القادر يرجح : يفيد إثباتا زائد على كونه قادرا . وقولنا : لا لمرجح : يفيد نفيه . فكان هذا جمعا بين النقيضين . وأنه فاسد . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يقال : [ إنه « 2 » ] ليس لقولنا : يرجح : مفهوم زائد على كونه « 3 » قادرا . فحينئذ يرجع حاصل هذا الكلام : إلى أن القادر الذي نسبته إلى الفعل وإلى الترك على السوية ، والمريد الذي كانت نسبة إرادته إلى الفعل وإلى الترك على السوية : فإنه حال [ بقائه « 4 » ] على هذا الاستواء يدخل ذلك الفعل في الوجود ، من غير أن يخصصه ذلك القادر بالإيقاع والترجيح . ومعلوم أن ذلك مدفوع في بدائه العقول ، بل هذا تصريح بأن هذا الفعل وقع [ لا « 5 » ] بإيقاع الفاعل ، بل على سبيل الاتفاق من غير تأثير مؤثر ، وإيجاد موجد . ومعلوم أنه باطل . وأما الأمثلة التي ذكروها ، فهي محض التلبيس . [ وذلك « 6 » ] لأن المخير بين شرب قدحين من الماء فإنه [ ما « 7 » ] لم يمد يده إلى أخذهما [ وما لم يحص أحدهما « 8 » ] بالقصد إلى أخذه ، فإنه لا يترجح أخذ [ ذلك « 9 » ] القدح على أخذ القدح الثاني . فرجحان ذلك القدح على غيره ، إنما كان لأن ذلك الفاعل خصه بتوجيه القصد إليه ، وبمد اليد إليه . فكيف يقال : إنه ترجيح أحد المقدورين على الآخر لا لمرجح ؟ بل المثال المطابق لقولهم : أن يقال : إن ذلك الإنسان بقي مترددا بين أخذ [ أحد « 10 » ] هذين القدحين ، ولم يخص واحدا منهما بتوجيه القصد إليه ، ولا بمد اليد إليه . ثم إن أحد ذلك القدحين ، ارتفع بنفسه وانصب في حلقه .

--> ( 1 ) من ( ط ، س ) ( 6 ) من ( ت ) ( 2 ) من ( ط ) . ( 7 ) من ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ت ) ( 8 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ط ) ( 9 ) هذا ( ط ) ( 5 ) من ( ط ) ( 10 ) من ( ط ، س )